Connect with us

Articoli

هؤلاء “متطرفون” يمتلكون مفاتيح حل الصراع العربي الإسرائيلي

هناك قاعدة إعلامية بسيطة وناجحة يمارسها العديد من الزملاء وبإتقان: يجب كتابة نصوص تساير معتقدات وأفكار الجمهور المتلقي؛ فالناس يريدون سماع صدى ما يؤمنون به لترسيخ مفاهيم أصبحت غير قابلة للنقاش بالنسبة لهم.

القضية الفلسطينية هي إحدى أسهل المواضيع التي يمكن امتطاؤها بالنسبة للأقلام العربية التي تبحث عن التصفيق عوض القيام بقراءة متأنية تساعد على فهم واقع مركب، تتداخل فيه المصالح إلى درجة أنه أصبح من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، الحديث عن هذه القضية بدون انفعال مبالغ فيه، والذي من بين نتائجه، بكل تأكيد، تكرار الأخطاء نفسها التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى الحال الذي يوجد عليه اليوم.

وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة زادت الطين بلة، إذ أصبح الجميع خبيرا في كل شيء، وكل من أراد يمكنه “تحرير” فلسطين بـ”بوست” أو “هاشتاج” من “الهاشتاجات” التي تنضح عمقا وبعد  نظر

قنوات عربية كثيرة، ولله الحمد، تقوم “بواجبها” لخلق الأجواء التهييجية الكفيلة بملء الشوارع تضامنا مع الشعب الفلسطيني، والتأكيد أن صواريخ حماس المجيدة سترمي بفلول الإسرائيليين للبحر. قصة تتكرر وبنفس الأسلوب منذ 1948 والعرب لم يتعلموا شيئا بل لم يفهموا حتى قواعد اللعبة التي يشارك فيها معظمنا بكل حسن نية، رغم أن “طريق جهنم معبدة بالنيات الحسنة” كما يقول المثل الإنجليزي الشهير.

منذ بداية هذا الصراع في نهاية الأربعينيات واللعبة تتم بهذا الشكل: استفزاز إسرائيلي يليه رد فعل فلسطيني وعربي متشنج وغير محسوب، لينتهي كل شيء بخسارة المزيد من الأراضي والتفاوض على استرجاع جزء جديد تم فقدانه في لحظة انفعال.

لا يكفي أن تكون صاحب حق، بل يجب أن تحسن الدفاع عن هذا الحق. إذا كانت إستراتيجية حماس اليوم هي الاكتفاء برمي مجموعة من المفرقعات الأقرب إلى الألعاب النارية منها إلى أدوات قتال حقيقية، والتمترس وراء مدنيين عزل لكي تقدمهم في ما بعد كقرابين لتجسيد مدى وحشية العدو الصهيوني..إذا لم يكن هناك أي تصور لنوعية الخطوة الموالية، فإننا أمام أكبر غباء يعرفه التاريخ.

القصة نفسها تتكرر ومنذ سنوات وبنفس النتائج: خبر رئيسي يتصدر كبريات الصحف وأهم القنوات التلفزية لبضعة أيام لينتهي كل شيء بعدها بمضاعفة معاناة الشعب الفلسطيني الذي ابتلاه الله بعدو شرس وقيادة عاجزة في رام الله وأخرى متهورة في غزة.

من يتحدث عن أن المقاومة هي غاية في حد ذاتها فليتذكر أن الهنود الحمر كذلك قاوموا وبكل شراسة ومع ذلك فإنهم اليوم مجرد فرجة مسيجة للسياح الأجانب الذين يزورون الولايات المتحدة. المقاومة تحتاج إلى تخطيط محكم وذكي له القدرة على فهم قواعد اللعبة السياسية الدولية، وهو ما نراه منعدما لدى حكام غزة (الله يهديهم).

وحتى لا يتم فهم هذا الكلام بشكل خاطئ والهجوم على قائله بتوجيه التهم الجاهزة سلفا من باب خيانة القضية وإحباط العزائم…الخ، فإن أي عاقل يعرف أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت نير ظلم بشع لا يحس به إلا من يكتوي بناره؛ ولا أحد يشك في ذلك، ولكن بحكم عملنا كإعلاميين أو مختصين يتابعون الأحداث عن بعد، أكرر عن بعد، وجب علينا التحلي بقدرة أكبر على التحليل الهادئ والرصين المبني على معطيات وليس على أحاسيس مهما سمت في نبلها فلن تساهم في أي حال من الأحوال في رفع الحيف عن إخواننا الفلسطينيين.

ربما حان وقت بناء مقاربة جديدة يمكن أن تساعدنا على تغيير نمط تفكيرنا. إذا لم تتغير المعادلة فلن تتغير النتائج. لتحقيق هذه الغاية وجب الوعي بمجموعة من المعطيات وقراءتها بتجرد وبعيدا عن أي انفعال.

هذه المقاربة يجب أن تمر أولا عبر تساؤل مزمن عن أسباب الهزائم المتكررة التي انتهت دائما بسلب المزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح دولة الاستيطان..

ربما حان وقت الاعتراف بأننا أمام إستراتيجية محكمة تواجهها مقاومة مرتجلة لها فهم خاطئ لموازين القوى. أرض فلسطين لن تتحرر بالتنديد والمظاهرات، التي حتى وإن أدخلناها في باب أضعف الإيمان فإنها تبدو مجرد سراب يكشف درجة العجز الذي وصل إليه الإنسان العربي، وعلى جميع المستويات.

بعد ذلك علينا أن نتساءل حول الأسباب التي تجعل صاحب القرار الغربي مواليا دائما لوجهة نظر إسرائيل أكثر من فهمه لدرجة المعاناة الفلسطينية. أقول صاحب القرار وليس الرأي العام لأن هذا الأخير لم تعد له أي أهمية بعد أن تم إلهاؤه بوسائل التواصل الاجتماعي لكي ينفس عبرها عن غضبه.

ثم لماذا لم نستطع شرح ثم استغلال مسألة بديهية وهي أن دولة تعتبر نفسها خاصة باليهود فقط لا يمكنها أن تكون دولة ديمقراطية؟ فنحن أمام تناقض واضح مع مفهوم المساواة الذي هو أساس أي نظام ديمقراطي يحترم نفسه. ورقة كان يمكن توظيفها بشكل أفضل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه من طرف عرب 48 مثلا.

هذه النقطة كان بالإمكان امتطاؤها للشروع في بناء أسس نضال جديد يعتمد الدفاع عن الحقوق المدنية. نظام الأبارتايد هو أكبر مرض أصاب المجتمع الإسرائيلي واستفحل منذ وصول اليمين المتطرف للحكم. هناك جزء كبير من داخل هذا المجتمع يعي خطورة نظام يفصل بين مواطنيه حسب انتماءاتهم الدينية أو العرقية، وهو مستعد للوقوف بجانب مواطنيه العرب لو بدأت شرارة نضال سلمي بقيادات جديدة تتحلى بالواقعية.

الهجوم الذي تعرض له من يتم نعتهم بعرب إسرائيل من طرف متطرفين صهاينة كان باستطاعته استهلال مرحلة جديدة تضع النضال الفلسطيني في خانة مختلفة عن تلك التي ألفناها حتى اليوم. ألعاب حماس النارية وجهت الأنظار بسرعة نحو الصورة النمطية التي يقدمها الإسلام السياسي عن نفسه، والذي ينتهي دائما، بوعي أو دونه، بلعب دور طوق النجاة للمحتل الإسرائيلي الذي يحسن لعب دور الضحية المدافعة عن نفسها.

طريق النضال يجب ألا تتجاهل أهمية مد الجسور مع إسرائيليين مسالمين، وهم كثر، ومع اليهود عبر العالم ومراكز الضغط داخل المؤسسات الحكومية العالمية، وكل من له تأثير على المستوى الدولي. الحوار الدائم والمتفتح على كل وجهات النظر قد يساهم في شرح معاناة الشعب الفلسطيني بشكل أفضل، والعمل على تقريب وجهات النظر بين أصحاب العقول النيرة لدى الطرفين قد يساعد على بناء أجواء الثقة المنعدمة حاليا.

لقد تم ترك مفاتيح القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي في أيدي أكثر الناس تطرفا: حماس من جهة واليمين التلمودي المتطرف من جهة أخرى. كلاهما يؤمن بأن الآخر لا يفهم سوى لغة العنف. النتيجة هي مزيد من الحقد والكراهية اللذين يتم غرسهما في أفئدة الأجيال القادمة. وهذا أكبر خطر يتهدد التعايش في المنطقة، ويهدد مستقبل قضية عادلة، وهي حق الإنسان الفلسطيني في العيش بسلام وكرامة.

 

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Il tuo indirizzo email non sarà pubblicato. I campi obbligatori sono contrassegnati *

Articoli

Moroccan Analyst: The Recent Electoral Defeat Of The MB Party In Morocco – Chronicle Of A Defeat Foretold

In a September 17, 2021 article on the Moroccan online daily Hespress.com, Dr. Zouhair Louassini, a Moroccan political analyst who resides in Italy, wrote that Morocco’s August 9 parliamentary elections, in which the MB-affiliated Justice and Development party was ousted from power, exposed the true and permanent rules of the political game in the kingdom. According to these rules, no matter who wins the democratic elections in the country, be it the Justice and Development party or anyone else, the ones who really call the shots are the members of the political elite, which is close to the royal family. This elite functions as the deep state, skillfully pulling the strings and keeping the state on a steady path. It does so by subjugating the politicians to its will, while occasionally making some symbolic concessions in order to weather periodical storms. This strategy, says Louassini, enabled Morocco to avoid the bitter fate suffered by some Arab countries in the 2011 Arab Spring, and is the source of the kingdom’s exceptional stability. It also explains some of the strange moves made by the Justice and Development party in stark contrast to its rhetoric, such as the forming of ties with Israel, which eventually led to its downfall. Louassini argues that, while Morocco does have elections, which make it seem like a democracy, establishing true democracy is not a top priority for its political elite. Moreover, according to him, it is unclear whether Moroccans are interested in the democratic system, and it seems that the position of Moroccan citizens on this issue depends on their particular social status.

The following are translated excerpts from his article:

 

“Based on my experience, I am now convinced that most Italians have an amazing ability to adapt to any type of political change. Moreover, they have a natural intuitive ability to assess any struggle for the leadership. This causes me to always joke with my Italian friends and say that Machiavelli could not have been anything but Italian. His profound understanding of the rules of the political game and of government, [as reflected in] his advice to the prince, still underpins any pragmatic action for the clever and informed government of the country – any country.

“That was what I thought until [Morocco’s latest elections, on] September 8, 2021, when I discovered that Machiavelli could have also been Moroccan. The manner in which the elections to the Moroccan parliament were held,  and their outcomes – which ousted the [MB-affiliated] Justice and Development party from power – prove that Machiavelli has many disciples in the country’s real corridors of power [i.e., among the ruling elite, affiliated with the royal family]. In fact, it is possible that they [even] surpass him, as pupils [often] surpass their masters.

“These elections improved Morocco’s image, especially in the Western media. Most of the writers in Europe and the U.S. regarded the defeat of the Justice and Development party as proof that it is possible to defeat political Islam and to it oust by means of the ballot box, without need for violence. Although this perception seems very superficial… it reflects the long-term vision of the deep state [i.e., the ruling elite], which in February 2011 managed to negotiate a difficult historic event very skillfully.  This [perception], along with other factors, explains the ability [of this elite] to keep the state on a constant path by defeating politicians and making [only] symbolic concessions, until the storm abates.

“In order to appease the real powers in the country, the Justice and Development party did not hesitate to do everything  expected of it, and behaved like a clever pupil who makes far-reaching concessions that go beyond any expectations. The last of these [concessions] – the signing of an agreement for establishing ties with Israel – was a death blow to this party. Even Hamas leader Isma’il Haniya, who came to Rabat to help his brothers in the political Islam [movement] and to defend the strategy that is formulated in Qatar and exported in [various] manipulative ways, was unable to assist [the party] amid its collapse…

“The speech delivered by former [Moroccan] prime minister Abdelilah Benkirane in Doha, at the [ninth] Al-Jazeera Forum, on ‘conflict and change in the Arab world,’ conformed to a particular perception of the changes needed in Morocco, indicating that he preferred not to tackle constitutional issues, so as to avoid any conflict with the palace. His entire discourse, as can be seen on YouTube, was an effort to justify positions ranging from excessive populism to open contradiction between rhetoric and actions, [contradictions] we are used to hearing from the proponents of the MB ideology. In that speech Benkirane kept repeating that he did not support the February 20 movement [i.e., the Arab Spring protesters in Morocco], although he himself derived the greatest benefit [from this movement]. Since his [Justice and Development] party came to power, he kept presenting himself as the savior of the country, ignoring the fact that he was just a pawn in a process larger than himself, to be replaced once his job was done. Hence, there is a need to acknowledge the role of those who pulled the strings so skillfully  and manipulated him so cleverly [i.e., the ruling elite], so that everything will [seem to] change but nothing will [actually] change.

“We must admit, with all objectivity, that Morocco has come out stronger from the [recent] elections, on both the local and the global level, proving itself to be exceptionally stable, compared to the region as a whole.   The decision-makers demonstrated great skill in steering Morocco away from the tragedies that other countries experienced as a result of [their] poor handling of the Arab Spring storm.  This stability is based on priorities. The establishment of a true and transparent democracy, which enables the peaceful handling of social conflicts, is apparently the last priority. What we have here is a political elite that assumes every possible role – [from] the proponents [of the regime] to the opposition –  in order to keep defending the interests of this particular social sector, and that is what it accomplishes in the best possible manner.

“In an interview with some magazine, [American academic and former president of the American University of Beirut] John Waterbury, author of the book The Commander of the Faithful: The Moroccan Political Elite, was asked about the chances of establishing democracy [in Morocco], given the presence of the Makhzen [i.e., the ruling elite] in the corridors of power. He said explicitly that the Makhzen regime has become more sophisticated over the years, and has gained much experience in handling domestic politics. Change is indeed occurring in Morocco, [he said], but it is slow. Waterbury, who wrote one of the most important books for understanding the secrets of the deep state  in the [Moroccan] kingdom, ended his statements with a simple question: Is this really what the Moroccans want?

“This is a question for which I have no answer. Perhaps the answer depends on the social circumstances, sector and situation of each individual [Moroccan]. Since all is well that ends well, let us say that, after the September 8, [2021] elections, all signs indicate that we are back to square one, now that we are rid of the party that never understood its [real] status. [This party] spent 10 years observing the achievements of the real state, and now it has left the reins of power in the hands of its partners in the government, whom [it] presents as lacking political experience in the kingdom.

“That is the process that some people, including the leaders of the Justice and Development party, call Moroccan exceptionalism. It consists of using [certain] tactics – the same tactics and methods used from the advent of Moroccan independence to this very day –  to perpetuate a central rule in which the monarchy plays a central role. Without going into meaningless moral judgements, let us say that this is the choice of official Morocco, which has delivered a knockout blow to every other version of Morocco. The important point is that the game is now clear.”

Continue Reading

Articoli

“الأمير ميكيافيلي” يظهر في نتائج الانتخابات التشريعية بالمغرب

Articolo pubblicato su Hespress (17 settembre 2021)

 

من خلال تجربتي الشخصية أصبحت لدي قناعة أن أغلبية الشعب الإيطالي لها قدرة هائلة على التأقلم مع كل التحولات السياسية كيفما كان نوعها بل لها حدس فطري لتقييم أي صراع حول السلطة. هذه القناعة تجرني دوما إلى تكرار جملة امازح بها اصدقائي الايطاليين بان مكيافيلي لا يمكنه أن يكون سوى ايطاليا. ففهمه العميق لقواعد اللعبة السياسية وكيفية إدارة الحكم عبر نصائحه ل”الامير” لا زالت هي اساس اي فعل براغماتي غايته تسيير الدولة، أي دولة، بحكمة ودراية.

كانت هذه قناعاتي إلى حدود الثامن من شتنبر 2021 لأكتشف أن مكيافيلي يمكنه أن يكون مغربيا كذلك. فالطريقة التي تمت بها الانتخابات التشريعية بالمغرب ونتائجها التي أسفرت عن تهميش حزب العدالة والتنمية تدل على ان لمكيافلي اتباع كثر في كواليس السلطة الحقيقية في البلاد ان لم يكن قد أصبح متجاوزا حيث التلميذ تفوق على الأستاذ.

الانتخابات الاخيرة أعطت صورة إيجابية عن المغرب خاصة في وسائل الإعلام الغربية. أغلب الأقلام في أوروبا والولايات المتحدة توقفت عند هزيمة حزب العدالة والتنمية كدليل على إمكانية هزم الإسلام السياسي عبر الاقتراع دونما اللجوء إلى العنف لتنحيته من الساحة.

هذه القراءة حتى وإن بدت جد سطحية حيث تكتفي بتكريس كل ما هو نمطي ساعة الحديث عن الفكر الإخواني، إلا أنها تصب في خانة رؤيا بعيدة المدى لدى الدولة العميقة التي استطاعت إدارة لحظة تاريخية صعبة (فبراير 2011) بكثير من الدهاء والخبرة ما يفسر، بجانب معطيات اخرى، قدرتها على ضمان استمرار البلد في نفس المسار عبر ترويض الكوادر السياسية والقيام بتنازلات شكلية الى أن تمر العاصفة.

حزب العدالة والتنمية، ومن اجل كسب رضا السلطة الحقيقية في البلاد، لم يتوان عن القيام بكل ما طلب منه وتصرف كتلميذ نجيب تجاوز في تنازلاته كل التوقعات الممكنة، آخرها التوقيع على اتفاقية ربط العلاقات باسرائيل والتي كانت الضربة القاضية بالنسبة لهذا الحزب الذي لم يستطع حتى إسماعيل هنية اسعافه في انتكاسته هذه. فزعيم حماس قدم الى الرباط خصيصا لدعم إخوانه في الإسلام السياسي بهدف الدفاع عن إستراتيجية يتم بناؤها منذ مدة انطلاقا من قطر والتي تتحرك عبر مناورات حان الوقت لفهم خفاياها بشكل افضل. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا.

إذا عاد المرء للخطاب الذي ألقاه عبد الإله بنكيران في الدوحة في إطار ملتقى الجزيرة حول “الصراع والتغيير في العالم العربي” سيرى أن رئيس الحكومة السابق كان منسجما مع فهم خاص للتحولات التي يحتاجها المغرب مقرا بأنه لا يريد ممارسة صلاحياته الدستورية كي لا يدخل في صراع مع المؤسسة الملكية. فكل حديثه، والذي يمكن مشاهدته على يوتوب، عبارة عن تبرير مستمر لمواقف تتحرك في جوهرها بين الشعبوية المفرطة والتناقض الجلي بين القول والممارسة الذي تعودنا عليه من طرف اتباع الفكر الإخواني.

عبد الإله بنكيران في خطابه المذكور يكرر عدم تأييده لحركة 20 فبراير الذي كان أكبر مستفيد من رياحها. فمنذ وصول حزبه لرئاسة الحكومة وهو يقدم نفسه منقذا للدولة غافلا انه كان مجرد بيدق في عملية أكبر منه حيث تم تبديله حينما انتهى دوره. من هنا وجب التنويه بدور من يحبك الخيوط بهذا الاتقان ويناور بهذا الدهاء لكي “يتغير كل شيء من اجل ألا يتغير أي شيء”.

علينا الاعتراف، وبكل موضوعية، بأن الدولة المغربية خرجت أكثر قوة بعد هذه الانتخابات سواء محليا او عالميا عبر تقديم صورة لبلد مستقر يبدو استثناء في منطقة بكاملها حيث أبان أصحاب القرار عن براعة كبيرة في تجنيب المغرب ما عاينته دول أخرى من مآسي نتيجة سوء تدبير عاصفة الربيع العربي.

هذا الاستقرار مبني على أولويات ربما آخرها بناء ديمقراطية حقيقية وشفافة تسمح بتسيير الصراعات، التي تعرفها كل المجتمعات، بشكل سلمي. فنحن أمام نخبة سياسية تتقمص كل الأدوار الممكنة، المؤيدة منها والمعارضة، لكي تستمر في الدفاع عن مصالح طبقة معينة وهو ما تقوم به على أفضل وجه.

في لقاء مع إحدى المجلات يعلق جون واتربوري صاحب “أمير المؤمنين. الملكية والنخبة السياسية المغربية” على سؤال مرتبط بمدى إمكانية بناء ديمقراطية مع وجود المخزن في السلطة، فكان جوابه واضحا: “إن نظام المخزن أصبح أكثر تعقيدا مع مرور السنوات. أصبحت لديه تجربة كبيرة في التعامل مع الأمور السياسية الداخلية. إذن، هناك تغيير في المغرب، لكنه تغيير بطيء.” ويختم صاحب احد اهم الكتب لفهم دواخل الدولة العميقة بالمملكة الشريفة بسؤال بسيط: “هل هذا ما يريده المغاربة؟”

انه السؤال الذي لا أجد له جوابا. ربما ان الظروف والانتماء لطبقة من طبقات المجتمع والوضع الاجتماعي لكل فرد على حدة هو ما يحدد نوع الاجابة. وبحكم ان الأمور بخواتمها فلنقل أن بعد انتخابات الثامن من شتنبر كل المؤشرات تدل على العودة لنقطة البداية بعد التخلص من حزب لم يفهم ابدا موقعه من الاعراب: عشر سنوات عاشها متفرجا على ما تنجزه الدولة الحقيقية والآن ترك الزمام في يد شركائه في الحكومة الذين يتم تقديمهم كعذارى العمل السياسي بالمملكة.
هذا إذن هو المسار الذي يطلق عليه البعض، بمن فيهم زعماء حزب العدالة والتنمية، الاستثناء المغربي. تكتيكات متكررة، وبنفس الاسلوب، منذ استقلال المغرب إلى اليوم لتكريس دولة مركزية تلعب فيها المؤسسة الملكية الدور المحوري. وبدون الدخول في احكام قيمة لا معنى لها، لنقل فقط هذا هو اختيار المغرب الرسمي الذي انتصر وبالضربة القاضية على اي مغرب آخر ممكن. المهم ان اللعبة اصبحت واضحة. انتهى الكلام.
Continue Reading

Articoli

تعامل الجزائر مع المغرب يتسم بالانتقائية الغارقة في المظلومية

Articolo pubblicato il 01-09-2021 (Hespress)

هناك سيدة سألوها عن ابنتها، فأجابت بأن ابنتها محظوظة لأنها تزوجت “ولد ناس” يعد لها الفطور ويساعدها في أشغال المنزل؛ بل إنه يصر على غسل كل الأواني، بعد الغذاء والعشاء

السيدة نفسها سألوها عن ابنها، فأجابت بأن حظه تعس لأنه يعد الفطور لزوجته ويساعدها في أشغال المنزل؛ بل إنه يصر على غسل الأواني، بعد الغذاء والعشاء.

أتذكر هذه القصة كلما سمعت الرئيس الجزائري يتحدث عن المغرب، أو قرأت تحليلات الصحافة الجزائرية حول الصراع مع الجار الغربي؛ فاستعمال معيارين مختلفين ساعة الحديث عن الخلاف مع المغرب أصبح هو السائد في أحاديث بعض إن لم أقل أغلب الإخوة الجزائريين، الذين يتهافتون على المنابر الإعلامية للدفاع عن الموقف الرسمي.

واضح جدا أن ذاكرة المسؤولين في الجارة الشرقية هي انتقائية بامتياز، لذلك فهي تختار من التاريخ فقط ما يناسب سرديتها الغارقة في المظلومية والذي يطفو باستمرار عبر خطاب متشنج تشوبه عدوانية غير مفهومة، وبالطبع غير مقبولة.

هذه الانتقائية سأكتفي منها هنا بمثال بسيط يوضح أن العلاقات المغربية الجزائرية تتميز بجانب كبير لا علاقة له بالمنطق. وأنه بقليل من الموضوعية يمكن للإخوة الجزائريين أن يفهموا أن خطأ ساستهم الأكبر هو انعدام أي رؤية للمستقبل، الذي يتم تخريبه يوميا بخطاباتهم غير العقلانية.

النظام الجزائري يكرر أنه لا دخل له في قضية الصحراء، وأنها مسألة أممية مرتبطة بتقرير مصير شعب. لو اكتفى قادة الجارة الشرقية بهذه الجملة لما اختلف اثنان بأنه موقف سياسي يحترم؛ ولكن حينما يتم إيواء منظمة وتسليحها وتوفير كل الإمكانيات لتسويق حروبها المتكررة التي يذهب ضحيتها جنود مغاربة، آنذاك وجب استيعاب أن ما قام به جنرالات الجزائر إلى حدود اليوم هو حرب غير معلنة ضد المملكة المغربية. حرب تستمر منذ ست وأربعين سنة يدفع ثمنها كل شعوب المنطقة.

بعد ست وأربعين سنة، خرج مسؤول أممي مغربي وقال إن هناك شعب القبايل كذلك الذي يجب تقرير مصيره. الجملة تعمد صاحبها الاستفزاز لكي يوضح للقادة الجزائريين ولكثير من مسانديهم تناقض خطابهم حول الصحراء. هذا كل ما في الأمر. المغرب لم يأوِ زعماء القبايل على أرضه، لم يسلحهم، لم يعترف بجمهوريتهم، لم يعط لخطاب مبعوثه الأممي أي استمرارية؛ ومع ذلك كان رد فعل القوى السياسية بالجزائر عنيفا. لم يفهموا الرسالة نهائيا، واكتفوا باستغلال الواقعة لتجييش الرأي العام الداخلي ضد المغرب.

ما صبر عليه المغرب ست وأربعون سنة لم يطقه قادة الجزائر ست وأربعين ثانية. إنها القصة نفسها؛ ولكن الجنرالات وبعض المحللين الجزائريين لم يتوانوا في استعمال معيارين مختلفين.

بالطبع، إن قضية الصحراء موجودة في أروقة الأمم المتحدة بعكس قضية القبايل؛ ولكن ما لم يستوعبه صاحب القرار الجزائري هو أنه من السهل استعمال ورقة الاختلافات العرقية لتمزيق الدول، وأن هذا موقف من يدافع عن منطق الاستعمار وليس العكس كما يحلو ليساريي آخر ساعة التشدق به. نعم، من يدافع على استقلال “الصحراء الغربية” هو في النهاية مؤيد لخطاب استعماري محض. عداء البعض لـ”النظام المخزني” أو للملكية بالمغرب لا يمكن أن يعمي الأبصار إلى هذه الدرجة.

هذا العمى هو الذي أصاب القيادة الجزائرية منذ الاستقلال، حيث خالت نفسها رائدة لثورة مستمرة وأنها قوة نافذة إقليميا ولم لا عالميا؟. استمرت في كذب على الذات وتصديق كذبها لستة عقود وما زالت ولم تر إلى حد الآن أنها مجرد نمر من ورق لا يهابه أحد. جنون العظمة هذا سيكون وبالا، لا قدر الله، على شعب نكن له نحن المغاربة كل الود والمحبة.

لقد عملت الدبلوماسية المغربية جيدا بعدم الرد على بيان الخارجية الجزائرية؛ فـ”إذا كان المتكلم أحمق السامع يكون بعقله”، ولكن المرجو هو عدم تأويل هذا الصمت بشكل خاطئ، وهو الأمر الذي تم تكراره باستمرار من طرف قادة الجارة الشرقية. سياسة التروي تصب في خانة المغرب لا شك في ذلك؛ ولكن على الرباط الاستعداد لكل أنواع الاستفزاز بما فيه إمكانية إعلان الحرب من طرف الجزائر كمرحلة أخيرة في وتيرة التصعيد الذي اختاره قادتها. مع هؤلاء كل شيء ممكن.

في انتظار ذلك، على صاحب القرار استغلال هذه المرحلة الإيجابية على الصعيد الدولي؛ فبعدما فهم الجميع أن رد الفعل الجزائري العنيف هو دليل على أن قضية الصحراء قد انتهت وأن الصراع الإقليمي بالمنطقة قد تم حسمه وجب على من بيده الأمور أن يمر إلى مرحلة أكثر جدية في إصلاح الوطن وأن يستعمل سرعة أكبر في تفعيل البناء الديمقراطي للبلاد. هذا هو هاجسنا الحقيقي نحن كمغاربة، وليس ما يفعله النظام في الجارة الشرقية؛ فالشعب الجزائري أدرى بمصلحته، وما علينا نحن سوى احترام إرادته.

Continue Reading

Zouhir Louassini

Giornalista e scrittore. Dottore di ricerca in Studi Semitici (Università di Granada, Spagna). Lavora a Rai News dal 2001. Editorialista su “L’Osservatore Romano” dal 2016 al 2020. Visiting professor in varie università italiane e straniere. Ha collaborato con diversi quotidiani arabi, tra cui al-Hayat, Lakome e al-Alam. Ha pubblicato vari articoli sul mondo arabo in giornali e riviste spagnole (El Pais, Ideas-Afkar). Ha pubblicato Qatl al-Arabi (Uccidere l’arabo) e Fi Ahdhan Condoleezza wa bidun khassaer fi al Arwah (“En brazos de Condoleezza pero sin bajas”), entrambi scritti in arabo e tradotti in spagnolo. Ha Collaborato con Radio BBC arabic, Medi1 (Marocco)

Marocco