تمثل رواية «استراتيجية السمكة القزمة» أحدث أعمال الكاتب والإعلامي زهير الوسيني، وهي عمل يضيف إلى مساره الفكري بعداً سردياً يكشف عمق رؤيته للعلاقات الدولية ولصراع القوى الذي ظل موضوعاً مركزياً في كتاباته، سواء في مقالاته التحليلية أو في مؤلفاته السابقة مثل «من يخاف السلام؟». وإذا كان الوسيني قد اشتغل في ذلك الكتاب على تفكيك صناعة الخوف وتبرير الصراع، فإنه يعود في روايته الجديدة إلى بدايات أخرى للصراع نفسه، حين كانت مدينة طنجة في أواخر القرن التاسع عشر نموذجاً مكثفاً لما يحدث حين تتقاطع مصالح دول كبرى فوق أرض صغيرة.
تدور أحداث الرواية سنة 1890، من حادثة واقعية تتمثل في اغتيال مواطن إيطالي بمدينة طنجة، لكن الوسيني لا يقدم الواقعة كما هي في سجل التاريخ، بل يتخذها نقطة انطلاق لبناء عالم روائي يزحف بالحقيقة إلى فضاء السرد، ويجعل من المدينة فضاءً تتواجه فيه دبلوماسيات سرّية، ومصالح إمبراطوريات تبحث عن منفذ نحو المغرب، وقوى محلية تحاول أن تحفظ سيادتها في زمن كان كل شيء فيه قابلاً للابتلاع.
هنا تظهر “السمكة القزمة” كاستعارة لخيار البقاء، الكائن الصغير الذي قد يبدو هشاً في مواجهة الحيتان، لكنه يعرف كيف يناور، وكيف يتفادى الاصطدام، وكيف يحمي نفسه دون أن يدخل حرباً لا طائل منها.
تكمن قوة العمل في الطريقة التي يجعل بها الوسيني التاريخ معاصراً. فصراع القوى في الرواية لا يختلف كثيراً عن الصراعات التي تعرفها المنطقة اليوم، حيث تتحرك الدول الكبرى عبر وكلاء، وتُدار المفاوضات في الغرف المغلقة، ويُعاد تشكيل خرائط النفوذ على حساب الشعوب.
هكذا تتحول طنجة من مجرد مدينة في زمن بعيد إلى مختبر سياسي يضيء ما يجري في الحاضر، وتصبح الرواية، دون خطاب مباشر، تعليقاً على استمرار المنطقة العربية في موقع “السمكة القزمة” التي تُجبر على ابتكار طرق للبقاء داخل محيط مضطرب.
الوسيني، القادم من خلفية إعلامية وحامل خبرة طويلة في متابعة التحولات الدولية، يوظف في الرواية أدوات الصحفي والباحث معاً، لكنه يذيبها في كتابة سلسة، تعتمد الإيقاع والتوتر والتركيب النفسي لشخصيات تتحرك وفق منطق سياسي حساس.
لا ينشغل بالنقل الحرفي للوقائع قدر انشغاله بما وراءها: العلاقات الخفية، التوازنات التي تُبنى بصمت، وتلك اللعبة الكبرى التي تُمارس فوق رؤوس السكان العاديين.
بهذا المعنى، تمثل «استراتيجية السمكة القزمة» خطوة جديدة في مسار زهير الوسيني، بل يمكن النظر إليها كجسر بين كتاباته الفكرية ورغبته في تقديم سرد قادر على تفكيك العالم بقدر ما يحكيه.
إنها رواية سياسية بامتياز، لكنها لا تقع في المباشرة، ورواية تاريخية، لكنها لا تستسلم للتوثيق الجاف. هي نصٌّ يقرأ الماضي كي يضيء الحاضر، ويجعل من طنجة القديمة مرآة لعصر لا تزال فيه القوى الصغيرة تبحث عن معادلة تحميها من الالتهام.
Link articolo